أحمد بن علي القلقشندي
95
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إنّ اللَّه تعالى أمر أهل طاعته ، بتنزيل هذه الدنيا بمنزلتها من إهانته ، وسوّى بين البرّ والفاجر في رغائبها ومصائبها ، ولم يجعل العطيّة دليلا على رضاه ، ولا الرزيّة دليلا على سخطه ، ولكنّه ألزم كلّ واحد من أهل الرّضا والسّخط من نعمها بنصيب ، وسقاهم من حوادثها بذنوب ؛ ليبتلي أهل رضاه في أهون الدارين عليه ، ويحسن لهم الجزاء في أكرمهما لديه ، ولذلك حبّب إليهم الزّهادة في زهيد فائدتها ، وممنوح زهرتها ، وسمّاها لعبا ولهوا ؛ لئلَّا يعلقوا بحطامها ، وينغمسوا في آثامها ، وختمها بالموت الذي كتبه على خليقته ، وسوّى بينهم في سكرته : * ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 1 ) * ( ) * ، ويقرّبهم بدار يفنى الموت ويبقون فيها بعده ، كما فنوا في هذه الدار وبقي الموت بعدهم ، فإن تأخّر الأجل فإلى غاية ، وإن تطاول الأمد فإلى نهاية . ولا بدّ أن يلحق التالي الماضي ، والآنف بالسالف ، وهذه حال نصب الأفكار ، وتلقاء الأبصار ، لا تحتاج أن يرتاض الصبر على آلامها ، والتحمل لمعضلات سهامها ، والجزع عند وقوعها قادح في البصائر والأفهام ، دالّ على الجهل بالليالي والأيام ، وقد طرق المملوك ناعي فلان فهدّ جلدي ، وفتّت كبدي ، لا ارتياعا للحادثة ؛ لأنّها لو لم تكن فيه لكانت في المملوك ، ولو لم تتطرّق إليه لتطرّقت إلى المدرك ( ؟ ) ولكن الأسف على عطل الزمان من حلية فضله ، وتعرّيه من حلَّة نبله ، وخلوّ عراصه من الأنس بمثله ، وما نال سيّدي لفقده ، وتحمّله من بعده ، وإلى اللَّه تعالى يرغب المملوك أن يربط على قلبه بالصبر ، ويوفّقه لتنجّز ما وعد به الصابرين من الأجر ، إن شاء اللَّه تعالى . عليّ بن خلف : رقعة : ليس عند المصيبة - أطال اللَّه بقاء سيدي - خير من التسليم إلى اللَّه والرّضا بقضائه ، والصبر على بلائه ، فإنه تعالى مدح الصابرين في كتابه ، ووعدهم بصلواته ، فقال جلّ قائلا : * ( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّه وإِنَّا ) *
--> ( 1 ) سورة النجم 53 ، الآية 31 .